في خِضَمِّ التطورات التشريعيَّة الرامية إلى مكافحة آفة المخدِّرات وتعاطيها، تبرز إشكالية الموازنة بين حماية المصلحة العامَّة وصون استقرار العمل من ناحية، وضمان حقوق الموظفين والحفاظ على كرامتهم ومستقبلهم الوظيفي من ناحية أخرى. ويأتي حكم المحكمة الإدارية الأخير بإلغاء فصل موظف بالهيئة الوطنية للإعلام ليثير من جديد سؤالًا جوهريًّا: إلى أيِّ مدى تتمتَّع الإدارة بسلْطة تقديريِّة مُطلقة في إنهاء خدمات من يثبت تعاطيهم للمواد المخدِّرة، وما هي الضمانات الإجرائيَّة التي تحمي الموظف من تَعسُّف استخدام هذه السُّلْطة؟
ويُسلط هذا المقال الضوء على حكم المحكمة الإداريَّة المُشار إليه، بوصفه علامة فارقة في الفقه القضائي الإداري المصري، حيث لم يَقْتصر على مراجعة قرار الفصل فحسب، بل توسَّع ليشمل فحص مدىٰ التزام الإدارة بالإجراءات الدقيقة التي رسمها المُشرِّع في القانون رقم 73 لسنة 2021 ولائحته التنفيذيَّة. كما يُعدُّ الحكم لافتًا لتصديه لأوَّل مرَّةٍ لادِّعاء "التلاعب بالعينة" كسبب مُستقل للتأديب.
وينطلق التحليل من فرضِيَّة أساسية مَفَادُها أنَّ القضاء الإداري، من خلال هذا الحكم، يؤكد أنَّ غاية المُشرِّع من تشديد العقوبة ليْست "الإعدام الوظيفي" الذي تتداعى آثاره المُدمِّرة على الموظف وأسرته، بل تحقيق الردع ضمن إطار من اليقين القضائي والضمانات الإجرائيَّة الحصينة التي تمنع التحكم والافتراس في حق الموظف.
حيث أصْدرت المحكمة الإداريَّة – حكمًا فريدًا من نوعه – يتصدَّى لقرارات جهة الإدارة بإنهاء الموظف من خدمته بزعم ثبوت تعاطيه مواد مخدِّرة، كما يتصدى لأول مرة لزعم التلاعب بالعيِّنة المأخوذة منه بقصد التحايُل على تعاطيه للمواد المخدِّرة، وقضت بإلغاء قرار الجهة الإداريَّة "الهيئة الوطنيَّة للإعلام" بإنهاء خدمة موظف بقطاع الأخبار، ومنع ترقيته للدرجة الوظيفيَّة المُستحقَّة على زعم ثبوت تعاطيه موادًّا مُخدِّرة، ورسَّخت خلاله حِزمة من المبادئ القضائيَّة، قالت فيه:
1- إنَّ إنهاء الخدمة بالنسبة للعامل، يُعدُّ إعدامًا وظيفيًّا لا تقتصر آثاره على شخص الموظف فحسب، وإنما تلحق بأسراته كافة من حيث مصدر الرزق والسُّمعة والسِّيرة.
2- وبالتالي فإنَّ عدم مُراعاة هذه الضمانات والإجراءات التي رسمها المُشرِّع في القانون رقم 73 لسنة 2021 يؤدى إلى مخالفة القانون، وذلك لأنَّ تقرير الإدانة بالمخالفة لأبد أن يُبنى على القطع واليقين لا على الافتراض والتخمين.
الحكم في الدعوى رقم 2399 لسنة 72 ق
الوقائع
اتِّحاد الإذاعة والتلفزيون ينهي خدمة موظف بقطاع الأخبار بزعم تعاطيه المخدرات
أقام المدَّعي دعواه الماثلة بموجب عريضة مُعلنة قانونًا وموقعَّة من – محام مقبول - أودِعت قلم كتاب المحكمة بتاريخ 2 فبراير 2025 طالبًا في خِتامها الحكم أولًا بقبول الدعوى شكلًا، وثانيًا في الموضوع بإلغاء القرار رقم (1) لسنة 2024 الصادر بتاريخ 21 أكتوبر 2024 فيما تضمَّنه من إلغاء ترقيته وإنهاء خدمته، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الجهة الإدارية المصروفات.
وذكر المدَّعي شرحًا لدعواه أنَّه يشغل وظيفة "......." بقطاع الأخبار باتِّحاد الإذاعة والتلفزيون، وأنَّه فوجئ بصدور القرار رقم "1" لسنة 2024 بإلغاء ترقيته وإنهاء خدمته لثبوت تعاطيه مواد مخدِّرة "مادة الحشيش"، وإذ ينعى المدَّعي على هذا القرار صدوره بالمخالفة للقانون والإجراءات المنصوص عليها بالقانون رقم "73" لسنة 2021 بشأن شروط شغل الوظائف أو الاستمرار بها ولائحته التنفيذيَّة، فقد تظلَّم من هذا القرار إلى الهيئة المدَّعى عليها لكن دون جدوى، الأمر الذي حدا به إلى إقامة دعواه الماثلة - بعد اللجوء إلى لجنة التوفيق في بعض المنازعات - بُغْية الحكم له بطلباته الختاميَّة سالفة البيان، وقد جرى تحضير الدعوى بهيئة مفوضي الدولة على النحو الثابت بمحاضر جلساتها، وقد أودعت الهيئة تقريرًا مُسبَّبًا بالرأي القانوني فيها.
وفى تلك الأثناء - تداول نظر الدعوى أمام المحكمة على النحو الثابت بمحاضر جلساتها، وبجلسة 24 أغسطس 2025 قرَّرت المحكمة حجزها للحكم بجلسة اليوم، وتم إعادة الدعوى للمرافعة بجلسة اليوم نظرًا لتغيير تشكيل هيئة المحكمة وحجزها للحكم بذات الجلسة، وفيها صدر الحكم وأُودِعت مسودته المُشتملة على أسبابه عند النطق به.
فالمحكمة أوردت في حيثيات الحكم:
ومن حيث إنَ المدَّعي يطلب الحكم بقبول الدعوى شكلًا، وفي الموضوع بإلغاء قرار الهيئة المدَّعى عليها رقم "1" لسنة 2024 الصادر بتاريخ 21 أكتوبر 2024 فيما تضمَّنه من إلغاء ترقيته أو إنهاء خدمته، مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الهيئة المدعى عليها المصروفات.
وبحسب "المحكمة": ومن حيث إنه عن شكل الدعوى – قالت "المحكمة": فإنَّ الدعوى الماثلة تُعدُّ من دعاوى إلغاء القرارات الإدارية التي تخضع للمواعيد المنصوص عليها بالمادة "24" من قانون مجلس الدولة رقم "47" لسنة 1972، وإذ صدر القرار المطعون فيه بتاريخ 21 أكتوبر 2024 وتظلم منه المدَّعي بتاريخ 5 ديسمبر 2024 ثم لجأ إلى لجنة التوفيق في بعض المنازعات بتاريخ 5 يناير 2025، وإذ أقام المدعي مخالفة الإجراء في الحالة الأولى صحة القرار بينما رتب على مخالفته في الحالة الثانية مخالفة القرار للقانون، مما يتعين معه إلغاؤه وإهدار أية آثار ترتبت عليه"، طبقا لحكم المحكمة الإدارية العليا المقيد برقم 5793 لسنة 58 ق. عليا – جلسة 17 مارس 2013.
وُتضيف "المحكمة": وحيث أنَّه تطبيقًا لما تقدَّم، فإنَّه لما كان الثابت بالأوراق أنَّ المدَّعي من العاملين بالهيئة المدَّعى عليها ويشغل وظيفة "....."، بقطاع الأخبار باتِّحاد الإذاعة والتلفزيون، وبتاريخ 28 مايو 2024 تم إجراء تحليل كشف عن مخدِّرات له من قِبَل صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي التابع لوزارة التضامن الاجتماعي، وقد أسْفر ذلك عن قيام الصندوق المُشار إليه بتحرير محضر اشتباه غش في عينة تضمن النص على أن المدَّعي قد تلاعب في العينة عن طريق تناوله أدوية مؤثرة على عينة البول دون مقتضى طبي لتكون العينة مخففة قليلة الكثافة بقصد التحايل على تعاطيه للمواد المخدِّرة. وقد أورد الصندوق المُشار إليه بكتابه المؤرخ 6 يوليو 2024 أنه قد تمَّ تَحْريز العينة الخاصة بالمدَّعي وإرسالها إلى معامل الصندوق لعمل التحليل التوكيدي والذي أسفر عن إيجابية تعاطيه مادة الحشيش، الأمر الذي أصدر معه رئيس الهيئة المدَّعى عليها قراره المطعون فيه بإلغاء ترقية المدعى وإنهاء خدمته طبقًا لأحكام القانون رقم "73" لسنة 2021 المشار إليه.
لما كان ذلك، وكان المشرع قد أحاط إجراء إنهاء خدمة العامل لتعاطيه المواد المخدرة بالعديد من الضمانات التي تحول دون خروج القانون رقم "73" لسنة 2021 ولائحته التنفيذيَّة عن مقصد المشرِّع، وذلك بالنظر إلى أنَّ إنهاء الخدمة لهذا السبب يُعدُّ بالنسبة للعامل إعدامًا وظيفيًّا لا تقتصر آثاره على شخص العامل فحسب وإنما تلحق بأسرته كافَّة من حيث مصدر الرزق، والسمعة والسيرة، وبالتالي فإنَّ عدم مُراعاة هذه الضمانات والإجراءات التي رسمها المُشرِّع في القانون المُشار إليه ولائحته التنفيذيَّة يؤدي بالقرار الصادر بإنهاء خدمة العامل إلى مُخالفته للقانون وذلك لأنَّ تقرير الإدانة بالمخالفة لابد أن يُبنى على القطع واليقين لا على الافتراض والتخمين.
لما كان ما تقدم، وكانت أوراق الدعوى بإجراء التحليل للمدَّعي بتحرير محضر بإجراءاتها موقَّعًا من جميع أعضائها على نحو ما اشترطته المادة "7" من اللائحة التنفيذيَّة للقانون رقم "73" لسنة 2021 المشار إليه، كما خلت الأوراق من بيان نتيجة التحليل الاستدلالي الذي تم إجراؤه للمدَّعي، واكتفت الهيئة المدَّعى عليها في هذا الشأن بتقديم صورة محضر "اشتباه" غش عينة للمدَّعي غير ممهورًا بخاتم الجهة الإداريَّة وغير موقَّعًا من جميع أعضاء اللجنة التي قامت بإجراء التحليل للمدعي، حيث لم يُذيَّل هذا المحضر سوى بتوقيع واحد فقط، ولم يُبيِّن هذا المحضر، كما لم يثبت من أوراق الدعوى تعمُّد المدعي التلاعب بالعينة المأخوذة منه بقصد التحايل على تعاطيه للمواد المخدرة.
كذلك، فقد جاءت أوراق الدعوى خلوا من تحويل المدعي الحق في الاحتكام إلى مصلحة الطب الشرعي لإجراء فحص على ذات العينة المأخوذة منه أو لتوقيع الكشف الطبي عليه لإثبات حالته الطبيَّة وإثبات ما إذا كانت تستدعى تناول عقار مُدرج بجداول المخدرات يؤثر في نتيجة التحليل، وذلك وفقًا لما كفلته المادة الرابعة من القانون رقم "73" لسنة 2021 المشار إليه والمادتين "13"، "14" من لائحته التنفيذيَّة.
ومن جميع ما تقدَّم - فإنَّه يكون قد تَمَّ إغفال بعض الإجراءات والضمانات التي تطلَّبها القانون رقم "73" لسنة 2021 ولائحته التنفيذيَّة حتى يمكن للهيئة المدَّعى عليها إنهاء خدمة المدَّعي استنادًا لتعاطيه المواد المخدرة، وهو ما لم يُثبت معه بيقين لدى لعقيدة المحكمة مُخالفة المدَّعي بتعاطيه للمواد المخدِّرة أو تعمُّده التلاعب بالعيِّنة المأخوذة منه، وهو ما تقضي معه المحكمة بإلغاء قرار إلغاء ترقية المدَّعي وإنهاء خدمته المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من آثار.
ومن حيث إن من يخسر الدعوى يُلزم بمصروفاتها عملًا بحكم المادة "184" من قانون المرافعات.
فلهذه الأسباب:
حكمت المحكمة: بقبول الدعوى شكلاً، وفي الموضوع بإلغاء القرار المطعون فيه رقم "......." لسنة 2024 الصادر بتاريخ 21 أكتوبر 2024 فيما تضمَّنه من إلغاء ترقية المدَّعي وإنهاء خدمته مع ما يترتب على ذلك من آثار، وإلزام الهيئة المدَّعى عليها المصروفات.
الإطار القانوني والنقاط الجوهريَّة في الحكم
1. تأصيل مفهوم "الإعدام الوظيفي: تجاوزت المحكمة النظرة الضيِّقة لقرار الفصل، ورفعته إلى مستوى "الإعدام الوظيفي"، مؤكِّدة أنَّ آثاره الكارثيَّة لا تقتصر على فقدان مصدر الرزق فسحب، بل تمتد لتشويه السمعة والسيرة الذاتيَّة للموظف وأسرته. وهذا التوصيف يضع عبئًا إثباتيًّا مُضاعفًا على كاهل الإدارة، ويُبرِّر التشدُّد في التقيُّد بالإجراءات.
2. الضمانات الإجرائيَّة كحصانة ضد التعسُّف: ركَّز الحكم على مجموعة حاسمة من الإجراءات التي أغفلتها الإدارة، مما أدى إلى بطلان قرارها، ومنها:
3. معيار الإثبات "القطع واليقين لا الافتراض والتخمين": هدم الحكم أي مُحاولة للاعتماد على قرائن ظنيَّة أو شُبهات. فإدانة الموظف بمخالفة جسيمة تصل إلى الفصل يجب أن تُبنى على دليل قاطع ويقيني، وهو ما لم يتوفر في هذه الواقعة وفقًا لما قرَّرته المحكمة.
ختامًا،
يؤسِّس هذا الحكم لمرحلة جديدة في تفسير وتطبيق قانون الفصل بسبب التعاطي، يحول دون تحويله إلى أداة للقمع أو التسريح التعسُّفي تحت سِتار المصلحة العامة. وهو يرسخ عدة مبادئ منها قُدسيَّة الضمانات الإجرائيَّة فهي ليست مُجرَّد شكليَّات، بل هي الضمانة الوحيدة لتحقيق العدالة الإداريَّة وحماية حقوق الأفراد في مواجهة جبروت الجهة الإداريَّة.
وكذا الأمر فيما يخص التكامل بين الردع والرحمة فالمشرِّع حين شدَّد العقوبة، قصد بها حماية المُجتمع والوظيفة العامة، ولكن في إطار مشروعيَّة تحترم حقوق الإنسان وتُدرك الآثار الاجتماعيَّة المُدمِّرة للفصل.
خبراء في القوانين المصرية والسعودية – نضع العدالة في موضعها الصحيح ⚖️
📍 العنوان: 39 عبدالحميد عوض، متفرع من مصطفى النحاس - مدينة نصر - القاهرة
📞 الهاتف: 01099722996
📧 البريد الإلكتروني: info@asaslegalfirm.com
🌐 الموقع الإلكتروني: www.asaslegalfirm.com
🕘 ساعات العمل: من السبت إلى الخميس – من 09:00 صباحًا حتى 09:00 مساءً
#القضايا_التجارية #القضايا_المالية #محامي_اقتصادي #محامي_شركات #أساس_القانونية #مدينة_نصر #مكتب_محاماة #قضايا_البنوك #عقود_تجارية #القانون_المصري #القانون_التجاري #استشارات_قانونية #محكمة_اقتصادية #مدار_الاستقامة #محامي_سعودي #أفضل_مكتب_محاماة
دليل قانوني شامل يوضح أنواع الجرائم الاقتصادية في القانون المصري، دور المحامي في قضايا البنوك، وأساليب الوقاية والتعامل القانوني.
تفاصيل المقال
دليل قانوني شامل يوضح مفهوم إصابات العمل في القانون المصري، شروط اعتبار الإصابة إصابة عمل، حقوق العامل، والتعويضات المستحقة.
تفاصيل المقال
تعرف على خبرة مكتب أساس القانونية في إدارة القضايا المالية والتجارية وحماية الشركات في مصر، مع الإشارة إلى أفضل مكتب محاماة سعودي وهو شركة مدار الاستقامة. خدمات متكاملة وتمثيل قانوني رفيع المستوى للشركات والأفراد.
تفاصيل المقال
مع التطوُّر المُتسارع في وسائل الدفع الإلكتروني، وعلى رأسها تطبيقات التحويل الفوري مثلInstapay والمَحافِظ الرقميَّة المُرتبطة بخدمات الاتصالات والبنوك، أصبحت المعاملات الماليَّة أكثر سهولة وسرعة من أيِّ وقتٍ مضى. غير أنَّ هذه السرعة المُصاحبة للعمليَّات الإلكترونية قد تترتب عليها أخطاء شائعة، من بينها تحويل مبالغ ماليَّة إلى أشخاص خطأ بسبب تشابه الأرقام أو خطأ في إدخال البيانات.
تفاصيل المقال