تابعنا عبر
أساس القانونية للمحاماة والاستشارات | خبرة رائدة في مجال المحاماة في مصر والخليج

تفاصيل المقال

تصوير الأشخاص والنشر بين الخصوصية والعقوبة في القانون المصري
مقالات حصرية
19-10-2025
أساس القانونية للمحاماة
أساس القانونية للمحاماة والاستشارات | خبرة رائدة في مجال المحاماة في مصر والخليج

في ضوء ما أُثير مؤخرًا من صدور بيان عن النيابة العامة بإحالة القائم بنشر المقطع المُخل والمتهمين بالتعدي عليه إلى المحاكمة الجنائية، وفي سابقة قضائيَّة هامة، محكمة النقض المصرية تُبرز حدودَ الحقّ في الخصوصية في ضوء التصوير في الأماكن العامة، والفارق بين جريمة انتهاك حُرمة الحياة الخاصة وجريمة إساءة استعمال أجهزة الاتصالات.
فقد أمرت النيابة العامة بإحالة القائم بنشر المقطع المُخل والمتهمين بالتعدي عليه بطريق المحور إلى المحاكمة الجنائية، وتؤكد النيابة العامة ما سبق أن شدَّدت عليه في بيانات مُتعدِّدة من ضرورة الامتناع عن نشر أو تداول أي مقاطع مصوَّرة تتضمَّن انتهاكًا لخصوصية أي شخص دون رضاه، لما في ذلك من مخالفة للقانون والقيم الأخلاقية للمجتمع. 
وفي هذا الإطار، استجوبت النيابة العامة القائم بتصوير ونشر المقطع المتداول مؤخرًا على مواقع التواصل الاجتماعي، والذي ظهر خلاله ارتكاب إحدى الفتيات رفقة آخر فعلًا مُخلًا حال استقلالهما مركبة بالطريق العام، وذلك فيما نُسب إليه من نشر ذلك المقطع بالمخالفة لأحكام قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات. 
كما استجوبت النيابة العامة المتهمين القائمين بالتعدي على مصور المقطع وإتلاف سيارته، فأقروا بأنهم عقب مغادرتهم أحد الملاهي الليليَّة واحتساء بعضهم مشروبات كحولية وأثناء سيرهم بالطريق شاهدوا القائم بتصوير المقطع يصورهم حال قيام إحداهن بفعل غير لائق، فاستوقفه أحدهم معترضًا طريقه، وتعدوا عليه بالضرب مُحدثين تلفيات بسيارته. 
وقد أمرت النيابة العامة بإخلاء سبيل المتهمين جميعًا بضمان مالي وإحالتهم إلى المحاكمة الجنائية.
هذا، وتوضِّح النيابة العامة أنَّ نشر صور أو مقاطع فيديو لأي شخص دون موافقته يُشكِّل جريمة جنائية في حق القائم بالنشر، ما دام المحتوى المنشور من شأنه انتهاك الخصوصيَّة، حتى وإن تضمَّن ذلك المحتوى ارتكاب الشخص الظاهر فيه جريمة أخرى، إذ يتعيَّن في هذه الحالة إبلاغ الجهات المختصة لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، وقد وفَّرت النيابة العامة لذلك منافذ رسميَّة مخصَّصة لتلقي البلاغات. كما تُجدِّد النيابة العامة دعوتها المواطنين إلى التحلي بالمسؤوليَّة القانونيَّة والأخلاقيَّة، والالتزام بما سبق أن أوضحته من ضرورة الإبلاغ عن الوقائع عبر المنافذ الرسميَّة المخصَّصة لتلقي البلاغات دون نشر أو تداول لأي مقاطع مصورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حرصًا على تطبيق أحكام القانون، وصونًا لقيم المجتمع، وضمانًا لحسن سير العدالة.
جاء ذلك قياسًا على ما ورد بالطعن المقيد في جدول المحكمة برقم 17841 لسنة 92 القضائية.
حيثُ أوضحت المحكمة – من خلال ما ثبت بمدونات الحكم – أن الطاعن قام بتصوير المجني عليهما باستخدام كاميرا هاتفه المحمول أثناء نزولهما من سيارة الشرطة، وهما مقيدتان بالقيود الحديديَّة في الطريق العام، وعلى مرأى ومسمع من المارة، وذلك تمهيدًا لعرضهما على النيابة العامة – على نحو ما أورده الحكم –، وإن كان في هذا الفعل ما يُشكِّل إزعاجًا ومضايقة لهما من خلال إساءة استعمال أحد أجهزة الاتصالات، إلا أنه لا ينطوي على مساسٍ بحياتهما الخاصة ولا يُعد انتهاكًا لحرمتها بالمعنى الذي قصده المُشرِّع، ومن ثّمَّ لا يندرج تحت طائلة نص المادة (25) من القانون رقم 175 لسنة 2018  الخاص بمكافحة جرائم تقنية المعلومات، وإنما تتحقق به الأركان المادية والمعنوية للجريمة المنصوص عليها في البند (2) من المادة (76) من القانون رقم 10 لسنة 2003 (قانون تنظيم الاتصالات المصري)، وعرَّفت الإزعاج وفقًا للمادة 76 من القانون رقم 10 لسنة 2003 بأنه لا يقتصر على السب أو القذف، بل يشمل كل قول أو فعل من شأنه تضييق صدر الإنسان. 
وتتحقق الجريمة إذا كان لدى الجاني العلم بأن فعله أو قوله يُزعج الغير، مع توجيه إرادته نحو إحداث هذا الإزعاج، بغض النظر عن الغرض أو المبرر.
وأشارت إلى أن المادة الأولى من القانون 10 لسنة 2003 عرَّفت مصطلح الاتصالات بأنَّه أي وسيلة لإرسال أو استقبال الرموز أو الإشارات أو الرسائل أو الكتابات أو الصور أو الأصوات، أيًا كانت طبيعتها، وسواء كان الاتصال سلكيًّا أو لا سلكيًّا. 
ومن خصائص كاميرات الهواتف المحمولة إمكانية حفظ الأصوات والصور ومقاطع الفيديو ونقلها إلى ذاكرة الهاتف، بالإضافة إلى إرسالها واستقبالها، ومن ثم فهي تُعد من وسائل الاتصال التي قصدها المشرع في المادة 76.
وأكدت المحكمة أن الدساتير المتعاقبة منذ دستور 1923 حرصت على حماية الحياة الخاصة، كما نصت المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 التي أُدين الطاعن بموجبها، على أن جرائم انتهاك الحياة الخاصة تشمل حصرًا استراق السمع أو تسجيل أو نقل المحادثات أو التقاط أو نقل صور شخص في مكان خاص، مع تحديد المقصود بالمكان الخاص على أنه المكان المغلق الذي لا يمكن الوصول إليه بنظرات من الخارج ولا يسمح بدخوله للغير إلا بإذن صاحبه أو المنتفع به.
وانتهت المحكمة إلى أن تصوير الطاعن للمجني عليهما قد تم في الطريق العام وعلى مرأى المارة، فإن الفعل لا يندرج تحت مفهوم الحياة الخاصة ولا نص المادة 25 من القانون 175 لسنة 2018. وعليه، ثبت تحقق أركان جريمة تعمد الإزعاج بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات وفق المادة 76 من القانون 10 لسنة 2003، وقرَّرت المحكمة نقض الحكم وتعديل الغرامة إلى 500 جنيه مع الإبقاء على العقوبة السالبة للحرية، ورفضت الطعن فيما عدا ذلك.
الوقائع
اتهمت النيابة العامة الطاعن في قضية الجنحة رقم 1892 لسنة 2021 جنح اقتصادية طنطا المقيدة برقم 135 لسنة 2022 جنح مستأنف طنطا الاقتصادية.
بوصف أنه في الثالث من يونيو سنة 2021 - بدائرة مركز قويسنا – محافظة المنوفية.تعمد إزعاج المجنى عليهما / ...... بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات وانتهاك حرمة الحياة الخاصة لهما وذلك على النحو المبين الأوراق.
وأحالته إلى محكمة جنح طنطا الاقتصادية لمعاقبته طبقًا للقيد والوصف.
والمحكمة المذكورة قضت حضوريًا بتوكيل بجلسة 29 من مارس سنة ۲۰۲۲ عملا بالمواد ۱ ، ٦،٤/٥ ، ۱۳/ ۷ ، ۱/۷۰ بند أ ، ٧٦ من القانون رقم ۱۰ لسنة ۲۰۰۳ بشأن تنظيم الاتصالات وبالمواد ۱۱ ، ۱۲ ، ۲۵، ۳۸ من القانون رقم ١٧٥ لسنة ۲۰۱۸ بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات. بحبس المتهم / ..... سنة وكفالة خمسة الآف جنية لإيقاف تنفيذ عقوبة الحبس وتغريمه مبلغ خمسين ألف جنية مع إلزامه بالمصاريف.
فاستأنف المحكوم عليه هذا الحكم وقضت محكمة طنطا الاقتصادية – بهيئة استئنافية – حضوريًا في الثالث من يوليو ٢٠٢٢ بقبول الاستئناف شكلًا، وفى الموضوع بتعديل الحكم المستأنف بالاكتفاء بحبس المتهم ستة أشهر والتأييد فيما عدا ذلك وألزمته المصاريف الجنائية.
فطعن المحكوم عليه في هذا الحكم بطريق النقض، وبجلسة اليوم سمعت المحكمة المرافعة على ما هو مُبيَّن بمحضر الجلسة.
المحكمة
بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة قانونًا. 
من حيث إن الطعن استوفى الشكل المقرر في القانون.
ينعى الطاعن على الحكم الابتدائي المؤيّد لأسبابه والمعدل بالحكم المطعون فيه أنه إذ دانه بجريمتي تعمد إزعاج ومضايقة الغير بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، وانتهاك حُرمة الحياة الخاصة، قد شابه القصور في التسبيب، والفساد في الاستدلال، والإخلال بحق الدفاع والخطأ في تطبيق القانون، ذلك بأن الحكم اعتوره الغموض والإبهام واكتفى بترديد صيغة الاتهام، وأورد مؤدى أقوال ضابط الوقعة والمجني عليهما التي عول عليها جُملةً وفي إسنادٍ واحد دون أن يورد مضمون كل منها على حدة، ولم يستظهر الركن المادي والقصد الجنائي في جريمة تعمد إزعاج الغير باستعمال أجهزة الاتصالات سيَّما وأن التصوير لم يكن يستهدف المجني عليهما بصفة خاصة، بل كان تصويرا المأمورية القبض على بعض المتهمين بصفة عامة تمهيدا لعرضهم على النيابة
العامة كما أن أيًّا من سالفتي الذكر لم تتعرض لأيَّة مضايقة أو إزعاج، هذا إلى أن كاميرا الهاتف المحمول في ذاتها لا تُعد من أدوات الاتصال، وعول الحكم على أقوال ضابط الوقعة رغم عدم صحتها وعدم كفايتها في نسبة الاتهام إليه كما خلت من بيان المسافة التي كانت تفصل بينهما وقد تستحيل الرؤية لبعد المسافة وهو ما نازع فيه الطاعن، ولم تقم المحكمة بمطالعة مقطع الفيديو المصوَّر، وطلب المدافع عنه على سبيل الاحتياط ضم حرز الهاتف المحمول وتفريغه بمعرفة جهة فنيَّة، كما أن الفعل المُسند إليه لا يعدو أن يكون عملًا من أعمال الصحافة، وأورد الحكم أدلَّة لا تتصل بموضوع الدعوى، وأخيرًا فإن تصوير المجني عليهما في الطريق العام لا يمس الحياة الخاصة لأي منهما إذ لم يكن ذلك التصوير في مكان خاص، وهو مما يعيب الحكم ويستوجب نقضه وحيث إن الحكم الابتدائي المؤيّد لأسبابه والمعدَّل بالحكم المطعون فيه قد بيَّن واقعة الدعوى بما تتوافر به كافة العناصر القانونية لجريمة تعمد إزعاج الغير بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات التي دان الطاعن بها، وأورد على ثبوتها في حقِّه أدلة سائغة من، تؤدي إلى ما رتَّبه الحكم عليها، وجاء استعراض المحكمة لأدلة الدعوى على نحو يدل على أنها محَّصتها التمحيص الكافي وألمَّت بها إلمامًا شاملًا يُفيد أنها قامت بما ينبغي عليها من تدقيق البحث لتعرف الحقيقة. 
لما كان ذلك، وكان المقرَّر أن القانون لم يرسم شكلًا أو نمطًا يَصوغ فيه الحكم بيان الوقعة المستوجبة للعقوبة والظروف التي وقعت فيها، فمتى كان مجموع ما أورده الحكم كافيًا في تفهُّم الوقعة بأركانها وظروفها حسبما استخلصتها المحكمة - كما هو الحال في الدعوى المطروحة –، كان ذلك محقِّقًا لحكم القانون، وإذ كانت صيغة الاتهام المُبيَّنة في الحكم تعتبر جزء منه، فيكفي في بيان الوقعة الإحالة عليها، ومن ثَمَّ فإن النعي على الحكم بالقصور في هذا الصدد يكون في غير محله. 
لما كان ذلك، وكان من المقرر أنه إذا كانت شهادة الشهود تنصب على وقعة واحدة ولا يوجد فيها خلاف بشأن تلك الوقعة، فلا بأس على المحكمة إن هي أوردت مؤدى شهادتهم جملة ثم نسبتها إليهم جميعا تفاديًا للتكرار الذي لا موجب له، وإذ كان ذلك هو الحال في الدعوى، فإن ما ذهب إليه الطاعن من تعييب الحكم بقالة القصور لعدم إيراده أقوال كل من الشهود على حدة وجمعه بينهم بإسناد واحد لا محل له. 
لما كان ذلك ، وكان من المقرر أن الإزعاج وفقًا لنص المادة ٧٦ من القانون ۱۰ لسنة ۲۰۰۳ بإصدار قانون تنظيم الاتصالات لا يقتصر على السب والقذف لأن المُشرِّع قد عالجهما بالمادة ۳۰۸ مكررا من قانون العقوبات، بل يتَّسع لكل قولٍ أو فعلٍ يصدر عن الجاني ويضيق به صدر الإنسان، وكان القصد الجنائي في هذه الجريمة يتحقَّق بقيام العلم عند الجاني وقت تلفظه القول أو ارتكابه الفعل أن من شأنه أن يضايق الغير أو يزعجه، وأن تتَّجه إرادته إلى إحداث هذا الإزعاج أو تلك المضايقة، ولا عبرة بما يكون قد دفعه إليه أو بالغرض الذي توخاه منه، ولا يلزم أن يتحدث الحكم استقلالًا عن هذا القصد متى كان فيما أورده من وقائع وظروف ما يكفي للدلالة على قيامه، وإذ كان يُبيِّن من مدونات الحكم الابتدائي المُؤَّيد لأسبابه والمعدَّل بالحكم المطعون فيه أن محكمة الموضوع قد اطمأنت إلى ما قرَّره ضابط الوقعة والمجني عليهما من أنه وأثناء نزولهما من سيارة الشرطة وهما مقيَّدتين بالقيود الحديديَّة تمهيدًا لعرضهما على النيابة العامة بسبب شكايتهما من شقيق الطاعن، قام الأخير بتصويرهما باستعمال كاميرا هاتفه المحمول بقصد التشهير بهما، وكان هذا التصرف بذاته يزعج أي إنسان ويضيق به صدره، وإذ كان الحكم قد استخلص أن الطاعن تعمد إتيان هذا الفعل وأن إرادته اتجهت إلى مضايقة المجني عليهما بإساءة استعماله أجهزة الاتصالات، الأمر الذي تتحقق به أركان الجريمة المنصوص عليها في البند الثاني من المادة ٧٦ من القانون رقم ۱۰ لسنة ۲۰۰۳ المشار إليه بركنيها المادي والمعنوي، ويكون النعي على الحكم بالقصور في هذا الخصوص غير سديد. 
لما كان ذلك، وكانت المادة الأولى من القانون رقم ١٠ لسنة ٢٠٠٣ آنف الذكر قد عرَّفت مصطلح الاتصالات بأنه: أية وسيلة لإرسال أو استقبال الرموز  أو الإشارات أو الرسائل أو الكتابات أو الصور أو الأصوات وذلك أيًّا كانت طبيعتها، وسواء كان الاتصال سلكيًّا أو لا سلكيًّا، وكان من خصائص كاميرات التصوير الملحقة بأجهزة الهواتف المحمولة قابليتها لحفظ الأصوات والصور ومقاطع الفيديو المصورة بواسطتها ونقلها إلى ذاكرة الهاتف المحمول الملحقة به، وبالتالي إمكانية إرسالها واستقبالها، ومن ثَمَّ فهي تعد - بحسب التعريف المشار إليه – من وسائل الاتصالات التي عناها الشارع في المادة ٧٦ من القانون سالف الذكر، ويكون ما يثيره الطاعن في هذا الشأن ولا محل له. 
لما كان ذلك، وكان من المقرر أن لمحكمة الموضوع أن تستمد اقتناعها بثبوت الجريمة من أي دليل تطمئن إليه طالما أن هذا الدليل له مأخذه الصحيح من الأوراق، وكان من حق محكمة الموضوع أن تستخلص من أقوال الشهود وسائر العناصر المطروحة أمامها على بسط البحث الصورة الصحيحة لواقعة الدعوى حسبما يؤدي إليه اقتناعها، وأن تطرح ما يخالفها من صور أخرى مادام استخلاصها سائغًا مستنِدًا إلى أدلة مقبولة في العقل والمنطق ولها أصلها في الأوراق، وأن وزن أقوال الشهود وتقدير الظروف التي يؤدون فيها شهادتهم وتعويل القضاء على أقوالهم مهام وجه إليها من مطاعن وحام حولها من الشبهات، كل ذلك مرجعه إلى محكمة الموضوع تنزله المنزلة التي تراها وتقدره التقدير الذي تطمئن إليه، وهي متى أخذت بشهادتهم فإن ذلك يفيد أنها أطرحت جميع الاعتبارات التي ساقها الدفاع لحملها على عدم الأخذ بها، وأنه لا يشترط في شهادة الشاهد أن تكون واردة على الحقيقة المراد إثباتها بأكملها وبجميع تفاصيلها على وجهٍ دقيق، بل يكفي أن يكون من شأن تلك الشهادة أن تؤدي إلى هذه الحقيقة باستنتاجٍ سائغٍ تجريه محكمة الموضوع يتلاءم به ما قاله الشاهد بالقدر الذي رواه مع عناصر الإثبات الأخرى المطروحة أمامها، وأنه لا يشترط أن تكون الأدلة التي يركن إليها الحكم بحيث يُنبئ كل دليلٍ منها ويقطع في كل جزئية من جزئيات الدعوى؛ إذ أن الأدلة في المواد الجنائية متساندة يُكمل بعضها بعضًا ومنها مجتمعة تتكون عقيدة المحكمة، فلا ينظر إلى دليل بعينه لمناقشته على الأدلة، بل يكفي أن تكون الأدلة في مجموعها كوحدة مؤدية إلى ما قصده الحكم منها ومنتجة في اقتناع المحكمة واطمئنانها إلى ما انتهت إليه.
ولما كانت المحكمة قد بينت وقعة الدعوى على الصورة التي استقرت في وجدانها وأوردت أدلة الثبوت المؤدية إليها، ومن ثَمَّ فلا محل لتعييب الحكم في صورة الوقعة التي اعتنقتها المحكمة واقتنعت بها، ولا في تعويله في قضائه بالإدانة على أقوال ضابط الواقعة بدعوى استحالة الرؤية لبعد المسافة، وما يثيره الطاعن في ذلك إنما ينحل إلى جدل موضوعي في تقدير الدليل مما تستقل به محكمة الموضوع ولا تجوز مجادلتها فيه ولا مصادرة عقيدتها بشأنه أمام محكمة النقض. 
لما كان ذلك، وكان يُبيِّن من الاطلاع على محاضر جلسات المحاكمة بدرجتيها أن الطاعن لم يطلب من المحكمة مطالعة مقطع الفيديو المصوَّر تحقيقًا لدفاعه، فلا يحق له من بعد أن ينعى على المحكمة قعودها عن تحقيق أمر لم يطلبه منها ولم تر هي من جانبها حاجة لإجرائه، ويكون منعاه في هذا الصدد غير سديد. 
لما كان ذلك، وكانت البيِّن من الاطلاع على محضر جلسة المحاكمة الاستئنافية أن طلب ضم حرز الهاتف المحمول وتفريغه بمعرفة جهة فنيَّة كان طلبًا على سبيل الاحتياط، وكان من المقرَّر أن المحكمة غير ملزمة بإجابته أو الرد عليه إلا إذا كان طلبًا جازمًا، أما الطلبات التي تُبدى من باب الاحتياط فللمحكمة إن شاءت أن تجيبها وإن رفضت أن تطرحها من غير أن تكون ملزمة بالرد عليها، هذا فضلًا عن أن الأصل أن المحكمة الاستئنافية تحكم على مقتضى الأوراق، وهي لا تجري من التحقيقات إلا ما ترى لزومًا لإجرائه، وكانت المحكمة الاستئنافية لم تر من جانبها حاجةً لضم حرز الهاتف المحمول أو تفريغه نظرًا لما ارتأته من وضوح الواقعة المطروحة عليها، فإن ما ينعاه الطاعن بدعوى الإخلال بحق الدفاع في هذا الخصوص يكون ولا محل له. 
لما كان ذلك ، وكان ما أورده الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمعدَّل بالحكم المطعون فيه في مدوناته تتوافر به جريمة تعمد إزعاج الغير بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات، كما هي معرفة به في القانون، وكان النعي بأن الفعل المسند إلى الطاعن يعد عملًا من أعمال الصحافة لا يعدو أن يكون منازعة في الصورة التي اعتنقتها المحكمة للوقعة وجدلًا موضوعيًّا في سلطة محكمة الموضوع في استخلاص صورتها كما ارتسمت في وجدانها مما تستقل بالفصل فيه بغير مُعقب، ويضحى ما يثيره الطاعن في هذا الشأن غير مقبول. 
لما كان ذلك، وكان من المقرر أن تفصيل أسباب الطعن ابتداء مطلوب على وجه الوجوب تحديدًا للطعن وتعريفًا بوجهه منذ افتتاح الخصومة بحيث يتيسَّر للمطَّلع عليه أن يُدرك لأول وهلة موطن العيب الذي شاب الحكم، وإذ كان الطاعن قد أرسل القول دون أن يكشف عن موطن ما أورده الحكم من أدلة غير متصلة بموضوع الدعوى، فإن هذا الوجه من الطعن لا يكون مقبولًا.
لما كان ذلك، وكانت الدساتير المتعاقبة – منذ دستور 1923 – قد حرصت على التقرير بأن الحياة الخاصة لها حرمة، ويجب ص57 منه على أنه للحياة الخاصة حُرمة، وهي مصونة لا تمس ... ، وكان النص في المادة رقم 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 بشأن مكافحة جرائم تقنية المعلومات – التي أُدين الطاعن بمقتضاها - وإن خلا من بيان الأفعال التي عدها الشارع انتهاكًا لحرمة الحياة الخاصة، إلا أنه كان قد حددها حصرا في المادة 309 مكررًا من قانون العقوبات بأنها استراق السمع أو تسجيل أو نقل المحادثات التي تجرى في الأماكن الخاصة أو التقاط أو نقل صور شخص في مكان خاص، وكان الشارع لم يشأ أن يُورد تعريفًا محدَّدًا للمكان الخاص، أو أن يقرنه بمدلول معين، والمقصود بالمكان الخاص - اصطلاحًا - أنه المكان المغلق الذي يتعذَّر بلوغه بنظراتٍ من الخارج، ولا يُسمح بدخوله للخارجين عنه، ويتوقف دخوله على إذن مالكه أو مُستغلِّه أو المنتفع به. 
لما كان ذلك، وكان قيام الطاعن بتصوير المجني عليهما – باستعمال كاميرا هاتفه المحمول – أثناء نزولهما من سيارة الشرطة وهما مقيدتين بالقيود الحديديَّة في الطريق العام، وعلى مسمع ومرأى من المارة، وذلك تمهيدًا لعرضهما على النيابة العامة - حسبما أورده الحكم - ، وإن كان فيه من إزعاج ومضايقة لهما بإساءة استعمال أحد أجهزة الاتصالات، إلا أنه ليس من شأنه أن يمس الحياة الخاصة لهما أو ينتهك حرمتها بالمعنى الذي عناه الشارع (المُشرِّع)، ومن ثَمَّ فإنه لا يقع تحت طائلة نص المادة 25 من القانون رقم 175 لسنة 2018 آنفة الذكر، وإذ كان الحكم الابتدائي المؤيد لأسبابه والمعدل بالحكم المطعون فيه قد ساءل الطاعن عن جريمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة للمجني عليهما وأوقع عليه العقوبة المقررة لها باعتبارها الجريمة الأشد، فإنه يكون قد أخطأ في تطبيق القانون بما كان يؤذن بنقضه، إلا أنه لما كانت وقعة الدعوى حسبما بينها الحكم قد توافرت بها كافة العناصر القانونية لجريمة تعمد إزعاج المجني عليهما بإساءة استعمال أجهزة الاتصالات التي أثبتها في حقه، وكان العيب الذي شابه مقصورًا على الخطأ في تطبيق القانون على الوقعة كما صار إثباتها في الحكم، فإنه يتعيَّن حسب القاعدة الأصوليَّة المنصوص عليها في المادة 39 من قانون حالات وإجراءات الطعن أمام محكمة النقض الصادر بالقانون رقم 57 لسنة 1959 أن تُصحح محكمة النقض الخطأ وتحكم بمقتضى القانون. 
ولما كان الخطأ الذي تردَّى فيه الحكم لا يخضع لأي تقدير موضوعي بعد أن قالت محكمة الموضوع كلمتها من حيث ثبوت إسناد التهمة – ماديًّا – إلى الطاعن وأصبح الأمر لا يقتضى - بعد استبعاد تهمة انتهاك حرمة الحياة الخاصة - سوى تقدير العقوبة المناسبة عن جريمته، وكان قضاء هذه المحكمة قد جرى على التعرض له والحكم به دون حاجة إلى نقض الحكم وتحديد جلسة لنظر الموضوع من أجل هذا السبب وحده، فإن المحكمة وإعمالًا للسلطة المخوَّلة لها، وبعد الاطلاع على المواد 1، 70، 76 بند 2 من القانون رقم 10 لسنة 2003 بإصدار قانون تنظيم الاتصالات، فإنها تصحح الحكم المطعون فيه بالنزول بعقوبة الغرامة المقضي بها على الطاعن إلى الحد المقرر بموجب نص المادة 76 من القانون سالف الذكر وجعلها بمبلغ خمسمائة جنيه بالإضافة إلى العقوبة السالبة للحرية المقضي بها عليه ورفض الطعن فيما عدا ذلك.
فلهذه الأسباب
حکمت المحكمة بقبول الطعن شكلًا، وفى الموضوع بتصحيح الحكم المطعون فيه بجعل عقوبة الغرامة المقضي بها خمسمائة جنيه وبالاضافة إلى العقوبة السالبة للحرية المقضي بها على الطاعن وأمرت بمحو التسجيل المصور، ورفض الطعن فيماعدا ذلك.



التعليقات

مقالات مشابهة

19-11-2025
أساس القانونية للمحاماة
أساس القانونية للمحاماة والاستشارات | خبرة رائدة في مجال المحاماة في مصر والخليج

براعة في مواجهة التعقيد: فريق النقض والاستئناف في أساس القانونية حصانة قانونيَّة في مواجهة أعْتىٰ قضايا الجنايات

في الساحات القضائيَّة حيث تُحْتَكَرُ المعرفة بالتشريعات وتُحْبَكُ استراتيجيات الدفاع، وفي عالم القضاء، حيث تُمثِّل قضايا الجنايات مُعتركًا حاسمًا يتعلَّق بالحريَّة والكرامة والمستقبل، تُبرز الحاجة إلى من يستطيع قراءة بين سطور النصوص، وتحليل خيوط الأدلَّة، وبِناء صرح الدفاع على أُسس راسخة من العلم القانوني والخبرة القضائيَّة.

تفاصيل المقال
16-11-2025
أساس القانونية للمحاماة
أساس القانونية للمحاماة والاستشارات | خبرة رائدة في مجال المحاماة في مصر والخليج

مسكن الحضانة لا يُستقطع من ملك الغير | حكم محكمة النقض يوضح ضوابط التمكين | مكتب أساس القانونية للمحاماة

شرح قانوني وتحليل لحكم محكمة النقض المصرية في الطعن رقم 684 لسنة 74 قضائية بشأن مسكن الحضانة وحقوق الملكية، يقدمه مكتب أساس القانونية للمحاماة والاستشارات القانونية بمدينة نصر.

تفاصيل المقال
11-11-2025
أساس القانونية للمحاماة
أساس القانونية للمحاماة والاستشارات | خبرة رائدة في مجال المحاماة في مصر والخليج

السجن المؤبد في مصر | المدة الحقيقية والعقوبة مدى الحياة | مكتب أساس القانونية للمحاماة

تعرف على الحقيقة القانونية لعقوبة السجن المؤبد في مصر، وما الفرق بينها وبين السجن المشدد، ومتى يمكن الإفراج الشرطي وفقًا لقانون العقوبات المصري — يشرحها مكتب أساس القانونية للمحاماة والاستشارات القانونية.

تفاصيل المقال
11-11-2025
أساس القانونية للمحاماة
أساس القانونية للمحاماة والاستشارات | خبرة رائدة في مجال المحاماة في مصر والخليج

الغبن في القانون المدني المصري | متى يكون العقد غير عادل؟ | أساس القانونية للمحاماة

تعرف على مفهوم الغبن في القانون المدني المصري ومتى يكون العقد غير عادل. شرح قانوني مبسط يقدمه مكتب أساس القانونية للمحاماة والاستشارات – خبراء القوانين المصرية والعقود المدنية.

تفاصيل المقال

اترك تعليقك