تابعنا عبر
أساس القانونية للمحاماة والاستشارات | خبرة رائدة في مجال المحاماة في مصر والخليج

تفاصيل المقال

التعويض عن الدعاوى الكيديَّة في القانون المصري
مقالات حصرية
21-10-2025
أساس القانونية للمحاماة
أساس القانونية للمحاماة والاستشارات | خبرة رائدة في مجال المحاماة في مصر والخليج

التعويض عن الدعاوى الكيديَّة في القانون المصري وِفق المادة 188 من قانون المرافعات

يُعدُّ الحق في التقاضي من الحقوق الدستورية المكفولة لكل مواطن، فهو الوسيلة المشروعة لاقتضاء الحقوق وردّ المظالم، غير أن هذا الحق ليس مطلقًا من كل قيد، إذ يجب أن يُمارَس في إطار من حسن النيَّة وبغرضٍ مشروع.

غير أنَّ بعض الخصوم قد ينحرفون بهذا الحق عن مقصدهِ، فيتخذونه وسيلة للكيد أو الإضرار بغيرهم عن طريق رفع دعاوىٰ لا سند لها من الواقع أو القانون، أو باتخاذ إجراءات لا هدف منها سِوىٰ إطالة أمَد النزاع وإرهاق الخصم ماديًّا ومعنويًّا.

ولمَّا كان هذا السلوك يُمثِّل إساءة لاستعمال حقِّ التقاضي، فقد تصدَّى له المُشرِّع المصري بنص المادة (188) من قانون المرافعات، التي خوَّلت المحكمة سلطة الحكم بالتعويض عن النفقات التي تَسبَّب فيها الخصم الكيدي، فضلًا عن توقيع غرامة على من يتخذ إجراءً أو يُبدي دفاعًا بسوء نيَّة.

وقد رسَّخ القضاء المصري — وعلى رأسه محكمة النقض — هذه القاعدة حمايةً لحُسن سير العدالة، وردعًا لكل من يستخدم حق التقاضي استخدامًا منحرفًا أو كيديًّا.

ومن ثمّ، يتناول هذا البحث بيان مفهوم الدعوى الكيدية وأركانها، والأساس القانوني للتعويض عنها وفق المادة 188 من قانون المرافعات، وشروط الحكم بالتعويض والغرامة، مع عرض نماذج من أحكام محكمة النقض التي أرست المبادئ الحاكمة في هذا الشأن.

 

ما المقصود بالدعوى والدفاع الكيدي؟

من المهم أنْ نوضِّح أنَّ مصطلح الدعاوى الكيديَّة لا يُستخدم وحده في الساحة القانونية، بل توجد عدة تعبيرات مرادفة تُشير إلى ذات المعنى أو صور قريبة منه، منها:

الخصومة المُفتعلة، الدعوى المُسيئة، الدعوى بسوء نية، الادِّعاء الكاذب، سوء استخدام الحق في التقاضي، الدفوع الكيديَّة، الطعون التعسفيَّة، الخصومة الصوريَّة، الدعوى التعطيليَّة، والدعاوى العدائيَّة غير المُستندة إلى أساس قانوني.

فالدعوى أو الدفاع الكيدي هو إجراء قانوني يُتخذ بسوء نية بهدف الإضرار بالخصم أو التنكيل به دون وجود أساس قانوني مشروع.

وتأكيدًا على أن هذه المصطلحات، وإن اختلفت في الصياغة، إلا أنها تدور جميعًا في فلك استعمال الخصومة المدنيَّة أو الإجراءات القضائيَّة بنيَّة الإضرار بالغير، دون وجود غرض مشروع أو مصلحة حقيقية.

تواجه المنظومة القضائية المصرية أحيانًا ما يعرف بـالخصومة المفتعلة، وهي صورة من صور إساءة استخدام الحق في التقاضي عندما يلجأ أحد الأطراف إلى رفع دعوى أو تقديم دفاع دون مصلحة مشروعة، بقصد الإضرار بالخصم أو تعطيل العدالة فقط.

 

ووفقًا للمادة 188 من قانون المرافعات، يحق للمحكمة الحكم بالتعويضات عن النفقات الناتجة عن هذه الإجراءات، مع إمكانيَّة فرض غرامة تتراوح بين 40 جنيه كحد أدنى و400 جنيه كحدٍّ أقصى، وذلك على الخصم الذي يتصرف بسوء نيَّة.

إذ نصت المادة على أنه: "يجوز للمحكمة أن تحكم بالتعويضات مقابل النفقات الناشئة عن دعوى أو دفاع قُصد بهما الكيد.

ومع عدم الإخلال بحكم الفقرة السابقة يجوز للمحكمة عند إصدار الحكم الفاصل فى الموضوع أن تحكم بغرامة لا تقل عن أربعين جنيه ولا تجاوز أربعمائة جنيه على الخصم الذى يتخذ إجراء أو يُبدى طلبًا أو دفعًا أو دفاعًا بسوء نيِّةٍ."

ومن ثَمَّ، فإنَّ الدعوى أو الدفع الكيدي هو أي إجراء قضائي يُقدِّمه أحد الخصوم بسوء نيِّةٍ دون مُسوِّغ قانوني، بقصد الإضرار بالخصم أو تعطيل العدالة.

وتُعد هذه المُمارسات خرقًا لمبدأ حسن النيَّة في  استعمال الحق في التقاضي .

اذًا ومما تقدم، وفق المادة 188 من قانون المرافعات، يجوز الحكم بالتعويضات والغرامات عند ثبوت الكيد أو سوء النية.

 

الحكم بالتعويضات عن الدعاوى أو الدفوع الكيديَّة يستوجب توافر الشروط التالية:

لكي تحكم المحكمة بالتعويضات أو الغرامات عن المنازعة التعسفية (وهي مرادف للدعوى الكيدية)، ينبغي توافر ثلاثة شروط أساسية:

1. سوء النيَّة: أن يكون القصد من الدعوى أو الدفع هو إضرار الخصم أو تأخير الفصل في الدعوى بدون مبرر قانوني.

2. ثبوت الكيد: أمر تقدير الكيد متروك لمطلق تقدير المحكمة تستنتجه من ظروف كل قضية، مثل تكرار الدعاوى دون مبرر أو الاعتماد على مُستندات مزورة. يُستدل عليه من ظروف الدعوى، مثل تكرار رفعها بلا أساس، أو تقديم مستندات مزورة أو منكرة.

3. النفقات الفعلية: يتم تقدير التعويضات بناءً على جميع النفقات التي تحملها الخصم، وليس فقط المصاريف القانونية الأساسية.

 

وتُظهر أحكام محكمة الاستئناف ومحكمة النقض تفاصيل دقيقة حول تطبيق المادة 188، حيث يُسلطا الضوء على ضرورة إثبات سوء النية وانحراف الخصم عن الحق المشروع في التقاضي قبل الحكم بالتعويض.

 

فالمادة 188 تُجيز للمحكمة أن تحكم بالتضمينات في مقابل كل النفقات الناشئة عن توجيه مثل هذه الدعوى أو ذلك الدفاع  فتقدر المصاريف في هذا الصدد على أساس كل النفقات الفعلية التي تحمَّلها الخصم وإنما يشترط للحكم بها عليه أن يكون القصد من توجيه الدعوى أو الدفاع هو مجرد الإضرار بالخصم والتنكيل به ومشاكسته وأمر تقدير الكيد متروك لمطلق تقدير المحكمة تستنتجه من ظروف كل قضية فإذا كان للخصم ذريعة تبرر إنكاره أو كانت له شبهة على الأقل تسوغ مسلكه فلا مؤاخذة عليه

(استئناف 10 إبريل 1949 - نقض 9 نوفمبر سنة 1933)

 

دور المادة الخامسة من القانون المدني

تُعتبر المادة الخامسة من القانون المدني مرجعًا أساسيًا لتحديد سوء استخدام الحق، وتنص على أن استعمال الحق يكون غير مشروع إذا كان الهدف الوحيد هو  الإضرار بالغير دون مصلحة مشروعة، وتُطبق هذه المادة على جميع فروع القانون، بما في ذلك الدعوى الكيدية.

ويلاحظ أن للمحكمة أن تستند – عند الحكم بالتضمينات المتقدمة – إلى حكم المادة الخامسة من القانون المدني التي تتولى سرد حالات سوء استعمال الحق، والتي يتعيَّن بسط تطبيقها على كل فروع القانون .

(استئناف 4 فبراير 1925)

 

وقد حكم بأنه: إذا أنكر خصم ورقة نسبت إليه أو طعن فيها بالتزوير وقُضِي بصحة الورقة وجب الحكم عليه بالتعويض لأن لا عذر له في أن يُنكر ورقة وقع عليها بنفسه بخلاف ما إذا كانت الورقة المطعون فيها بالإنكار أو التزوير ليست صادرة من المنكر أو الطاعن وكان يجهل التوقيع عليها ممن أسندت له فلا مؤاخذة أن هو أنكرها أو طعن فيها بالتزوير حتى ولو قُضِي بصحة الورقة وإذا اعتمد خصم على ورقة تبين أنها مزورة كان سيء النية إلا إذا ثبت أنه وقت استعمالها لم يكن عالما بما يعيبها كما لو كان قد تلقاها من الغير

(استئناف 5 فبراير سنة 1893)

 

وإذا تعدد من وجه الدعوى أو الدفاع الكيدي جاز الحكم عليهم جميعا بالتضامن بالتعويضات وذلك عملا بنص المادة 169 من القانون المدني التي تنص على أنه إذا تعدد المسئولون عن عمل ضار كانوا متضامنين في التزامهم بتعويض الضرر وجرى القضاء على وجوب رفع دعوى التعويض أمام المحكمة المطروح أمامها الدعوى الكيدية أو الدعوى التي دفعت بدفاع كيدي ( ولو كانت هي محكمة الاستئناف ) لأن هذه المحكمة هي وحدها المختصة بالفصل في الحكم بمصاريف الدعوى التي تنظرها ، القضائية منها وغير القضائية

فقد حكمت محكمة النقض بتاريخ 15 أكتوبر 1959، أُلزمت المدعية بالتعويض لتقديمها دعوى كيدية تكرر نزاعًا تم الفصل فيه سابقًا.

(نقض 10 إبريل سنة 1952)

 

الغرامات المترتبة على الدعوى بإساءة استخدام الحق في التقاضي

إلى جانب التعويضات، تُخوِّل المادة 188/2 المحكمة فرض غرامة على الخصم الذي يتخذ إجراءات كيدية.

الحد الأدنى للغرامة: 40 جنيهًا.

الحد الأقصى للغرامة: 400 جنيه.

الهدف: ردع الخصوم عن إساءة استخدام الحق في التقاضي.

ملاحظة: الحكم بالغرامة لا يمنع الخصم من طلب التعويضات وفق الفقرة الأولى من المادة 188.

 

كيف يُثبت سوء النيَّة والكيديَّة أمام المحكمة وفق المادة 188 من قانون المرافعات؟

لإثبات سوء النيَّة والكيديَّة أمام المحكمة وفق المادة 188 من قانون المرافعات المصري، يجب تُقدَّيم أدلة وظروف موضوعيَّة تُبيِّن أنَّ الخصم لم يكن له مُبرر قانوني في رفع الدعوى أو الدفع، بل قصدَ بها الإضرار بالخصم أو تعطيل الفصل في الخصومة فقط.

 

اثبات ونفي كيديَّة الخصومة

وفيما يلي معايير الإثبات والعناصر التي تعتمد عليها المحكمة عمليًا:

المعيار الموضوعي لسوء النيَّة:

سوء النية يُقصد به علم الخصم وهو يتخذ إجراء أو يقيم دعوى أو يدفع بدفع أنه لا حق له فيه، أي أنه يتصرف مع إدراكه لانعدام الأساس القانوني لهدفه، وبتعمد واضح لإلحاق الضرر بالخصم الآخر.

والمحكمة تبحث في وقائع القضية وسلوك الطرف المُدَّعِي أو المدافع، وتستشف النَّية الكيديَّة من تكرار الدعاوى بدون مُسوِّغ قانوني، أو الاعتماد على مستندات مزوَّرة، أو إنكار أمور ثابتة عليه دون سببٍ واقعي.

 

دلائل ثبوت الكيديَّة:

تستند المحكمة إلى عدة قرائن وأمارات، أهمها:

  • رفع دعاوى مُتكررة تتعلَّق بنفس النزاع المَبتوت فيه سابقًا.
  • تقديم مستندات أو دفوع سبق القضاء برفضها أو ثبوت زيفها.
  • إنكار توقيعات أو مستندات خاصة بالمُنكِر موجودة عليه دون أي شبهة جادة.
  • اللجوء لإجراءات الحجز أو التنفيذ دون سند قانوني.
  • ثبوت التواطؤ مع أطراف أخرى لتعطيل التقاضي.

هذه كلها تُعد قرائن كافية لإثبات الكيدية إن لم يجد الخصم تفسيرًا مشروعًا لسلوكه.

 

تقدير المحكمة وتكييف الوقائع:

الأمر متروك في النهاية للسلطة التقديريَّة للمحكمة؛ فهي تُقيِّم المُلابسات مجتمعة لتستخلص وجود سوء النيَّة من عدمه. فإذا وُجد للخصم ذريعة أو شبهة تُبرِّر موقفه، غالباً لا يؤاخذ.

وأما إذا ثبت أن سلوك المُدَّعِي أو المدافع كان لا هدف منه سوى الإضرار أو تعطيل العدالة، تثبت الكيديَّة ويُحكم بالتعويضات والغرامات وفق المادة 188.

باختصار:

إثبات سوء النية والكيدية يتطلب بيان أن الإجراء اتُّخذ مع علم المُدَّعي بانعدام حقِّه، بقصد الإضرار أو العرقلة فقط، ويُستدل عليه من تكرار النزاع أو اعتماد وقائع أو مستندات غير صحيحة أو تم رفضها سابقًا، وتعود السلطة التقديريَّة للمحكمة في استخلاص ذلك من ظروف كل قضية.

 

 

كيف يمكن للمحامي تقديم أدلة تؤكد نيَّة الكيد في الدعوى

يمكن للمحامي أن يقدم أدلة تؤكد نية الكيد وسوء النية في الدعوى عبر مجموعة وسائل وتكتيكات عملية وقانونية، تعتمد جميعها على بناء ملف متين من القرائن والأدلة الموضوعية التي تُقنع المحكمة بانعدام الحق وجدية الضرر.

أبرز هذه الوسائل:

  • عرض ملابسات تكرار الدعاوى أو النزاع:

إثبات أن المُدَّعي أو الخصم سبق له رفع دعاوى متكررة بشأن ذات المسألة أو موضوع سبق الفصل فيه، أو أنه يعيد الخصومة بلا جديد ظاهر أو مصلحة حقيقية.

ويمكن تدعيم ذلك بإرفاق صور من الأحكام أو المستندات القضائية التي تؤكد انتهاء النزاع مسبقًا.

  • إثبات انعدام السبب الجدي للدعوى:

بيان أن صحيفة الدعوى أو الطعن خالية من مستندات أو أدلة جدية، أو أن أسباب الطعن أو الدفوع مجردة من المضمون القانوني،

وذلك بمقارنة وقائع الدعوى بالمستندات الجوهرية للقضية أو بعناصر الإثبات الفعلي. ويتم ذلك عبر مذكرة قانونية تبرز ضعف الأدلة واعتماد الخصم على الادعاءات فقط دون تقديم دليل ملموس.

  • التركيز على الوقائع والمستندات المفتعلة أو المزورة:

إيضاح أن الطرف الآخر قدم مستندات سبق إثبات زيفها، أو أنكر توقيعاته الثابتة، أو لجأ إلى إجراءات حجز أو تنفيذ دون سند قانوني. في هذه الحالة،

ويُفضل إرفاق الأدلة الفنيَّة (كأحكام الإدعاء بالزور)، أو شهادات رسميَّة بعدم صحة التوقيع أو الأوراق للإيضاح.

  • سرد سلوك الخصم في تعطيل العدالة أو إرهاق القضاء:

عرض سلوك الطرف المضر بصورة واقعية كالمماطلة، أو رفض تنفيذ الأحكام، أو اتخاذ إجراءات بلا مبرر بهدف التسويف فقط، مع إبراز الأثر السلبي على صاحب الحق وسير الدعوى (مثل تأخير التنفيذ، إشهار الإفلاس، إلخ).

  • طلب سماع الشهود وضم المستندات الرسمية:

في أوضاع خاصة، يمكن للمحامي طلب سماع شهود حول واقعة أو نية الكيد، خصوصًا إذا قُدمت أقوال متضاربة أو كان هناك قرائن اجتماعية أو عرفية تدعم الادعاء.

  • الاستفادة من أحكام قضائية مشابهة:

تقديم نصوص وأحكام صادرة عن محكمة النقض أو محاكم الاستئناف في وقائع مماثلة لخلق حالة مقاربة تدعم وجود سوء نية وتُقنع المحكمة بتوافرها في الدعوى الراهنة.

باختصار:

يحقق المحامي ذلك بجمع الأدلة والقرائن المستندية، وبتسليط الضوء على غياب المصلحة المشروعة، أو على سبق الفصل في الحق، أو باعتماد المدعي على وقائع وهمية أو مستندات منكرة.

مع تكييف هذه العناصر قانونيًا وموضوعيًا بما يقنع المحكمة بثبوت نية الكيد وتحقيق شروط التعويض طبقًا للمادة 188 من قانون المرافعات المصري.

كيفية نفي الكيديَّة وإثبات حسن النيَّة في الدعاوى القضائيَّة وفق قانون المرافعات المصري لنفي أن الدعوى أو الدفع كيدي، يجب أن يُظهر المدعى عليه أو مقدم الدفع أن لديه مسوغًا جديًا أو ذريعة قانونية ـ حتى ولو كانت ضعيفة ـ تبرر رفع الدعوى أو تقديم الدفاع.

وتتمثل الحجة الأقوى في إيضاح وجود شبهة جدية أو نزاع حقيقي على الواقعة أو الحق محل الطلب، أو بيان وجود وقائع أو مستندات يُحتمل معها صحة ادعاءه ولو بحسب الظاهر.

كما يؤخذ في الاعتبار إذا كان تصرف الخصم استند إلى تفسير محتمل للنص القانوني أو اعتمد على سوابق قضائية تؤيد موقفه أو كان يجهل وجود حكم سابق في الموضوع بسبب تشابه الوقائع أو تعدد الأطراف.

وبذلك تكون حسن النية قائمة متى ثبت أن الهدف من الدعوى أو الدفع ليس مجرد الإضرار بالخصم، بل السعي الجاد لحماية حق أو اتقاء ضرر محتمل.

ويكفي للمحكمة أن تجد شبهة موضوعية تسوغ معقولية الطلب أو الدفع كي تنتفي الكيدية، فلا يسأل الخصم لمجرد الإخفاق في الدعوى أو الدفاع طالما وُجِد أساس معقول لتحريك الخصومة القضائية.

 

أبرز أحكام النقض في الدعوى الكيدية

بما أن الدعوى بقصد الإضرار تُشكِّل خطرًا حقيقيًا على نزاهة التقاضي، ولهذا أصدرت محكمة النقض المصرية أحكامًا حاسمة تُرسِّخ المبادئ القانونيَّة لمواجهة إساءة استخدام الحق في التقاضي.

لذلك، في هذا المبحث، نستعرض أبرز ما قضت به محكمة النقض بشأن التعويضات والغرامات في الدعاوى التي تُقام بسوء نية، مع توضيح كيفية استخلاص الكيد وسوء النيَّة من وقائع الدعوى.

 

دعوى تعويض بسبب بلاغ كاذب وإساءة التقاضي – طعن النقض رقم 11865 لسنة 65 ق

وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق – تتحصل في:

أن المطعون عليه الأول أقام الدعوى رقم (……………) لسنة 1991 مدني شمال القاهرة الابتدائية بطلب الحكم:

بإلزام الطاعنة بأن تؤدي له مبلغ 50000 جنيه والفوائد القانونية.

وقال بياناً لذلك:

إنه لخلاف بين المطعون عليه الثاني والطاعنة على ممر فاصل بين منزليهما أبلغت الشرطة ضدهما وآخر كذبًا بأنهم اعتدوا عليها بالضرب وضبط عن ذلك قضية الجنحة رقم (………) لسنة 1987 شبين القناطر.

وقد استبعدته النيابة العامة من الاتهام فأقامت ضدهما الجنحة المباشرة رقم (………) لسنة 1988 شبين القناطر عن ذات الواقعة.

كما أبلغت ضده وزارة العدل والنيابة العامة أنه بصفته مستشارًا تدخل لدى قاضي محكمة شبين القناطر لعرقلة الفصل في هذه الجنحة الأخيرة وقد أصابته – نتيجة لذلك – أضرار أدبية يقدر التعويض عنها بالمبلغ المطالب به.

أقام المطعون عليه الثاني الدعوى رقم (……..) لسنة 1991 مدني شمال القاهرة الابتدائية بطلب إلزام الطاعنة بأن تؤدي له مبلغ 50000 جنيه و  الفوائد القانونية  .

قولًا منه إنها – للخلافات المشار إليها – أبلغت جهة الشرطة ضده والمطعون عليه الثاني وآخر بالاعتداء عليها بالضرب.

كما أنه فتح مطلات على ملكها وضبط عن ذلك قضية الجنحة رقم (……..) لسنة 1987 شبين القناطر سالفة الذكر واتهمته أيضاً بذلك في الجنحة رقم (………..) لسنة 1988 شبين القناطر.

كما أقامت ضده بطريق الادعاء المباشر قضية الجنحة رقم (……..) لسنة 1988 شبين القناطر تتهمه فيها بذات الوقائع المبلغ عنها، وقد قضي ببراءته مما نسبته إليه في تلك الجنح جميعها بحكم صار باتًا.

وإذ لحقته من جراء ذلك أضرار مادية وأدبية يقدر التعويض الجابر لها بالمبلغ المطالب به فقد أقام الدعوى.

كما أقامت الطاعنة الدعويين رقمي (……….) لسنة 1991,، (………) لسنة 1991 مدني شمال القاهرة الابتدائية ضد المطعون عليهما المذكورين بطلب الحكم :

بإلزام كل منهما بأن يؤدي لها مبلغ 250000 جنيه تعويضًا على قالة أنهما تعديا عليها بالضرب مما أدى إلى إصابتها بأزمة قلبية سافرت على أثرها للعلاج في الخارج .

وانحسم النزاع بينهما صلحاً بيد أنهما أقاما ضدها الدعويين سالفتي الذكر بما يعد إساءة لاستعمال حق التقاضي وقد لحقتها أضرار مادية وأدبية تقدر التعويض عنها بالمبلغ المطالب به.

ومن ثم أقامت هاتين الدعويين.

ضمت المحكمة الدعاوى الأربعة ثم حكمت بتاريخ 31/8/1994 في الدعوى رقم (……..) لسنة 1991 مدني كلي شمال القاهرة بإلزام الطاعنة بأن:

تؤدي للمطعون عليه الأول مبلغ 10000 جنيه تعويضًا عن الأضرار الأدبية والفوائد القانونية.

وفي الدعوى رقم (……..) لسنة 1991 بإلزامها بأن تؤدي للمطعون عليه الثاني مبلغ 5000 جنيه تعويضًا عن الأضرار المادية 5000 جنيه تعويضًا عن الأضرار الأدبية والفوائد القانونية.

وفي الدعويين رقمي (………) لسنة 1991، (………) لسنة 1991 برفضهما.

 

استأنفت الطاعنة هذا الحكم لدى محكمة استئناف القاهرة بالأستئنافين رقمي (………) لسنة 111ق، (……….) لسنة 111ق

كما استأنفه المطعون عليهما لدى ذات المحكمة بالاستئناف رقم (………) لسنة 111ق أمرت المحكمة بضم الاستئنافات الثلاثة.

وفي 9/11/1995 حكمت المحكمة بتأييد الحكم المستأنف.

طعنت الطاعنة في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقض الحكم المطعون فيه.

وإذ عرض الطعن على هذه المحكمة في غرفة مشورة فرأت أنه جدير بالنظر وحددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها

 

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد المستشار المقرر والمرافعة وبعد المداولة.

حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.

وحيث إن مما تنعاه الطاعنة على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون والقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال وفي بيان ذلك تقول:

إنها تمسكت لدى محكمة الموضوع بأن إبلاغها في حق المطعون عليهما كان نتيجة لما وقع فعلًا من اعتداء على نفسها ومالها، ولاعتقادها بأن الشكوى تحقق لها الحماية القانونية وأنها السبيل إلى ذلك وإلى درء تكراره ولم تقصد محض الإضرار بهما، وأنها كانت تستعمل حقًا مشروعًا ولم تنحرف به إلى الكيد والعنت.

غير أن الحكم المطعون فيه لم يعرض لهذا الدفاع الجوهري، هذا إلى أن الأحكام الجنائية الصادرة في قضايا الجنح أرقام:

(..........) لسنة 1987، (……….) لسنة 1988، (………..) لسنة 1988 شبين القناطر ببراءة المطعون عليه الثاني لم تفصل في صحة البلاغ أو سوء قصدها ،وإنما كان مبناها الشك الذي تفسره المحكمة لصالح المتهم.

كما وأن النيابة العامة لم ترفع الدعوى الجنائية ضد المطعون عليه الأول واستبعدته من الاتهام بما مؤداه أن هذه الأحكام لا تكون لها حجية أمام القضاء المدني.

غير أن الحكم خالف الثابت بالأوراق واعتد  بحجَّية الأحكام الجنائية المشار إليها في ثبوت عدم صحة الوقائع المبلغ بها وتوافر نية الانحراف بحق الطاعنة في الإبلاغ والتقاضي، ورتب على ذلك توافر الخطأ في جانبها وألزمها بالتعويض المقضي وهو ما يعيبه ويستوجب نقضه.

وحيث إن هذا النعي في محله:

ذلك أن المقرر – في قضاء هذه المحكمة – أن مفاد النص في المادتين الرابعة والخامسة من القانون المدني أن من استعمل حقه استعمالاً مشروعاً لا يكون مسئولاً عما ينشأ عن ذلك من ضرر بالغير.

وأن استعمال الحق يكون غير مشروع إذا لم يقصد به سوى الإضرار بالغير وهو ما يتحقق بانتفاء كل مصلحة من استعمال الحق.

وأن حق التقاضي وحق الإبلاغ وحق الشكوى من الحقوق المباحة للأشخاص واستعمالها لا يدعو إلى مساءلة طالما لم ينحرف به صاحب الحق ابتغاء مضارة المبلغ ضده.

ولا يسأل من يلج أبواب القضاء تمسكاً بحق يدعيه لنفسه أو زوداً عن هذا الحق إلا إذا ثبت انحرافه عنه إلى اللدد في الخصومة والعنت مع وضوح الحق ابتغاء الإضرار بالخصم.

وأن تبليغ الجهات المختصة بما يقع من الجرائم لا يعد خطأ تقصيريًا يستوجب مسئولية المبلغ إلا إذا ثبت كذب الواقعة المبلغ بها

وأن التبليغ صدر عن سوء قصد وبغية الكيد والنيل والنكاية بمن أبلغ عنه أو ثبت صدور التبليغ عن تسرع ورعونة وعدم احتياط.

فمجرد عجز المبلغ عن إثبات الوقائع المبلغ عنها لا يقطع حتمًا بكذبها.

كما أن المقرر أنه ولئن كان استخلاص الفعل الذي يؤسس عليه طلب التعويض مما يدخل في حدود السلطة التقديرية لمحكمة الموضوع .

إلا أنه يشترط أن يكون هذا الاستخلاص سائغاً وله أصل ثابت بالأوراق.

فضلاً عن أن تكييف هذا الفعل بأنه خطأ أو نفي هذا الوصف عنه هو من مسائل القانون التي تخضع لرقابة محكمة النقض.

فيتعيَّن على الحكم الذي ينتهي إلى مسئولية خصم عن الأضرار الناشئة عن استعمال حق التقاضي أن يورد العناصر الواقعية والظروف الحاصلة التي يصح استخلاص نية الانحراف والكيد منها استخلاصًا سائغًا.

لما كان ما تقدم:

وكان مفاد نص المادة 456 من قانون الإجراءات الجنائية والمادة 102 من قانون الإثبات أن للحكم الصادر في الدعوى الجنائية حجية الشيء المحكوم فيه أمام المحاكم المدنية.

إذا كان الحكم الجنائي قد فصل فصلاً لازماً في أمر يتعلق بوقوع الفعل المكون للأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية وفي الوصف القانوني للفعل ونسبته إلى فاعله .

فإن فصلت المحكمة الجنائية بحكم بات في هذه المسائل امتنع على المحاكم المدنية مخالفة الحكم الجنائي السابق عليه، أما قضاء المحكمة الجنائية بالبراءة للشك الذي تفسره المحكمة لصالح المتهم .

لا يدل بمجرده على كذب الواقعة المبلغ عنها ولا يمنع المحكمة المدنية من إعادة بحث عناصر المسئولية المدنية طالما لم تفصل المحكمة الجنائية في هذا الأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية.

كما أن استبعاد النيابة العامة أحد المتهمين من الاتهام وإقامة الدعوى الجنائية على غيره لا ينهض دليلًاعلى عدم صحة الوقائع المبلغ بها.

ولا يقيد ذلك المحكمة المدنية التي يجب ألا تبني قضاءها إلا على ما يقتضيه بحثها عناصر المسئولية من النزاع المطروح عليها.

لما كان ذلك وكان الحكم المطعون فيه قد أقام قضاءه بمسئولية الطاعنة وبإلزامها بالتعويض المقضي به على قوله "….. إن المستأنفة – الطاعنة -أساءت حقها في الإبلاغ والتقاضي ….."

وكان ذلك منطويًا على سوء قصد مُتسمًا بالرعونة والتهور ابتغاء مضارة المبلغ ضده وثبت ذلك بأحكام جنائية باتة .

ذلك أنها أبلغت كذبًا بأن المستأنف ضده الثاني تعدى عليها في الجنحة رقم (……..) لسنة 1987 شبين القناطر وصدور حكم جنائي بات ببراءته لأن الواقعة مُلفقة.

كما أنها أبلغت كذبًا بأن المستأنف ضدهما تعديا عليها بالضرب …. رغم علمها بعدم تواجدهما بالبلدة …..وإذ تحرر عن الواقعة المحضر رقم ……. واستبعدت النيابة العامة المستأنف ضده الأول من الاتهام وقدمت الثاني إلا أنها رغم ذلك رفعت الجنحة رقم (………) لسنة 1988 شبين القناطر … ضد المستأنف ضدهما، وقد صدر حكم جنائي بات بالبراءة لعدم صحة الواقعة لعدم تواجد المستأنف ضدهما بالبلدة حسبما أسفرت عنه تحريات المباحث وكان هذا الذي ساقه الحكم المطعون فيه.

وأقام عليه قضاءه لا يصلح سندًا لتوافر الخطأ الموجب للتعويض فهو لا يكفي لإثبات انحراف الطاعنة عن حقها المكفول في الإبلاغ والتقاضي إلى الكيد والعنت واللدد في الخصومة بقصد مضارة المطعون ضدهما.

هذا إلى أن الثابت من الأوراق أن مبنى الحكم ببراءة المطعون عليه الثاني في الأحكام الجنائية سالفة البيان هو الشك الذي تفسره المحكمة لصالح المتهم

وهو ما لا يدل بمجرده على كذب الوقائع المبلغ بها، ولم يكن مبناه الكيديَّة وعدم الصحة – على ما ذهب إليه الحكم المطعون فيه.

هذا إلى أن النيابة العامة لم تقم الدعوى الجنائية ضد المطعون عليه الأول في الجنحة المذكورة واستبعدته من الاتهام وقدمت غيره للمحاكمة الجنائية، وهذا الذي انتهت إليه النيابة العامة بالنسبة له – أيًا  كان سنده – لا ينهض بذاته دليلاً على عدم صحة الواقعة المبلغ بها.

كما أنه لم يكن متهمًا محكومًا عليه في الأحكام الجنائية آنفة البيان فلا يكون له أن يستند إلى حجيتها أو أن يفيد من أي تقريرات تكون قد وردت في سياق مدونات أسبابها.

ما دام أنها لم تفصل في أمر يكون الأساس المشترك بين الدعويين الجنائية والمدنية على ما سلف بيانه.

وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر واعتد بحجيَّة الأحكام الجنائية في أمور لم تفصل فيها واتخذ منها دليلاً على قيام الخطأ الموجب للمسئولية رغم أنها لا تصلح لاستخلاص ما انتهى إليه.

وإذ لم يُبيِّن العناصر الواقعية والظروف الحاصلة التي استخلص منها توافر نية الانحراف والكيد لدى الطاعنة:

فإنه يكون قد أقام قضاءه على واقعة ظنية افترضها دون أن يكون في الأوراق ما يرشح لقيامها أو توافر دليل على ثبوتها .

وحجب نفسه بذلك عن بحث وتمحيص دفاع الطاعنة الوارد بسبب النعي رغم أنه دفاع جوهري من شأنه – لو صح – أن يتغير به وجه الرأي في الدعوى.

فإنه يكون معيبًا بما يوجب نقضه لهذا السبب دون حاجة لبحث باقي أسباب الطعن.

الطعن رقم 11865 لسنة 65 بتاريخ 6/29/1997

 

 

دعوى تعويض عن بلاغ كاذب وقذف قضائي – نقض مدني 461 لسنة 48 ق

وحيث إن الوقائع – على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر أوراق الطعن – تتحصل في:

أن المطعون ضده الأول أقام الدعوى رقم 2871 سنة 1975 مدني كلي شمال القاهرة على الطاعن طالبًا الحكم:

بإلزامه بأن يدفع له مبلغ عشرة آلاف جنيه.

وقال بيانًا لدعواه:

أنه إبان عمله رئيسًا للمحكمة بمحكمة المنصورة الابتدائية عُرضت عليه قضايا خاصة بالطاعن فصل في بعضها.

وإذ لم تصادف بعض الأحكام قبولًا لدى الطاعن فقد زعم أنه تقدم بشكوى إلى إدارة التفتيش القضائي بوزارة العدل ورتب على ذلك قيام خصومة بينهما.

وأقام ضدَّه دعوى الرد رقم 1456 سنة 1973 مدني كلي المنصورة ودعوى المخاصمة رقم 178 سنة 25 استئناف المنصورة التي نُسب فيها له ارتكاب الغش والخطأ المهني الجسيم والتدليس.

وضمن صحيفتها عبارات توحي بقيام صلة بينه وبين خصومه ورغم إخفاقه في هاتين الدعويين فقد طعن على الحكم الصادر في دعوى المخاصمة بطريق النقض بالطعن رقم 141 سنة 44 القضائية وضمن صحيفة الطعن عبارات مماثلة .

كما أورد الطاعن دون مبرر هذه العبارات في مذكرة دفاعه في الدعاوى 2346، 1909، 1661، 2315، 1810 سنة 1971 مدني كلي المنصورة التي تقدم بها بعد نقله من محكمة المنصورة الابتدائية .

مما يعد قذفًا في حقه وبلاغًا  كاذبًا ضده وهو ما يتحقق به الخطأ الموجب للمسئولية.

وإذ كان قد أُصيب بأضرار أدبية من جراء ذلك يقدر التعويض عنها بالمبلغ المطالب به فقد أقام دعواه ليحكم له بطلباته.

أقام الطاعن دعوى فرعية على المطعون ضده الأول ووزير العدل المطعون ضده الثاني طالبًا الحكم بإلزامهما متضامنين بأن يدفعا له مبلغ عشرين ألف جنيه .

وقال بيانًا لها :

أنَّ المطعون ضده الأول لم يبغ بدعواه سوى الكيد له إذ زعم عدم علمه بالشكوى المقدمة ضده إلى إدارة التفتيش القضائي رغم إخطاره بتقديمها .

وبما مؤداه صحة ما نسبه إليه الطاعن فلا محل معه لإقامة دعوى التعويض من المطعون ضده الأول.

وقد ألحق به ذلك ضررًا يسأل عن تعويضه المطعون ضده الأول بالتضامن مع متبوعه المطعون ضده الثاني.

كما دفع الطاعن بعدم اختصاص المحكمة بنظر الدعوى الأصلية وبعدم قبولها وقرر في قلم الكتاب بالادِّعاء بتزوير صورة المذكرة المقدمة من المطعون ضده الأول.

والمنسوب إلى الطاعن تقديمها في الدعوى رقم 1609 لسنة 1971 مدني كلي المنصورة وطلب استجواب المطعون ضده الأول عن كيفية حصوله عليها ثم تنازل الطاعن عن الادعاء بالتزوير.

بتاريخ 22/6/1976 قضت المحكمة بإلزام الطاعن بأن يدفع للمطعون ضده الأول مبلغ خمسة آلاف جنيه وبرفض الدعوى الفرعية.

استأنف الطاعن هذا الحكم لدى محكمة استئناف القاهرة بالاستئناف رقم 3035 لسنة 93 القضائية طالبًا إلغاءه والحكم له بطلباته.

وبتاريخ 30/1/1978 قضت المحكمة بتعديل الحكم المستأنف إلى إلزام الطاعن بأن يدفع للمطعون ضده الأول مبلغ ألف جنيه ورفض ما عدا ذلك من الطلبات.

طعن الطاعن في هذا الحكم بطريق النقض وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي برفض الطعن، عرض الطعن على المحكمة في غرفة مشورة فحددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها.

 

المحكمة

وحيث إن الطعن أقيم على سببين ينعي الطاعن بالوجه السادس من السبب الثاني على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والفساد في الاستدلال من شقين:

وفي بيان الشق الأول يقول:

أنه لا تجوز قانونا مساءلته عن العبارة التي وردت بالمذكرة المقدمة في الدعوى رقم 1609 لسنة 1971 مدني كلي المنصورة ذلك أن هذه المذكرة قدمت من المحامي بوصفه وكيلًا عنه وآخرين في الدعوى.

وما دام المطعون ضده الأول قد قصر دعواه على الطاعن دون شريكتيه في هذه المذكرة مما مفاده تنازله عن حقه في مقاضاة شريكتيه عما ورد بها من سب وقذف.

فإن مؤدى ذلك سقوط حقه في مقاضاة الطاعن عن ذلك، هذا فضلًا عن أنه إذ كان لا يجوز مساءلة المحامي عن العبارة التي وردت بهذه المذكرة وفق نص المادة 91 من قانون المحاماة 61 سنة 1968 .

فإنه لا يجوز تبعًا لذلك مساءلة الطاعن عنها وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وقضى بمسئولية الطاعن عن هذه العبارة يكون قد خالف القانون،

وفي بيان الشق الثاني يقول:

إن العبارة الواردة بهذه المذكرة لا تنصرف صراحة إلى المطعون ضده الأول ولا يستطيع قارئها أن يحدد أنه بذاته المعني بها مما ينتفي معه مساءلة الطاعن عنها.

وإذ استدل الحكم المطعون فيه من ذات العبارة على أن المطعون ضده الأول هو المعني بها يكون فاسد الاستدلال.

وحيث إن الطاعن ينعي بالوجه السابع من السبب الثاني على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون وفي بيان ذلك يقول أن الطعن في أعمال الموظف لا يدخل تحت طائلة العقاب ما دام قد حصل بحسن نية دون أن يتعدَّى أعمال الوظيفة .

وبشرط إثبات حقيقة كل فعل أُسند إليه، وإذ كان الثابت من الحكم الصادر في دعوى المخاصمة بجواز قبولها أنه قد خلص إلى أن خطأ المطعون ضده الأول بلغ في جسامته درجة تكاد تصل إلى حد الغش .

ويتمثل في الجهل الفاحش بالمبادئ الأساسية في القانون مما مفاده سلامة موقف الطاعن وثبوت الخطأ الجسيم المنسوب للمطعون ضده الأول فإن الحكم المطعون فيه.

إذ أقام قضاءه على أن ما صدر من الطاعن كان بقصد التشهير والتجريح لسلوكه كل الطرق التي رسمها القانون بغير حق لإبعاد المطعون ضده الأول عن نظر قضاياه.

وأنه لا يقبل من الطاعن إثبات صحة ما قذف به ويتعيَّن إدانته ولو كان يستطيع الإثبات يكون قد خالف القانون.

وحيث إن الطاعن ينعي بالوجه الأول من السبب الأول على الحكم المطعون فيه القصور في التسبيب .

وفي بيان ذلك يقول أنه تمسك لدى محكمة الاستئناف بإلغاء الحكم المستأنف.

وفقًا لما تقضي به المادة 271 من قانون المرافعات بعد ما قضى بنقض الحكم الصادر بعدم جواز المخاصمة في الطعن رقم 141 سنة 44 قضائية ،والمقدم صورته باعتبار أن الحكم الصادر في دعوى المخاصمة كان أساسًا للحكم المستأنف.

وإذ أغفل الحكم المطعون فيه الرد على هذا الدفاع الجوهري يكون معيبًا بالقصور في التسبيب بما يستوجب نقضه.

وحيث إن الطاعن ينعي بالوجه الثاني من السبب الأول وفي الوجه الأخير من السبب الثاني على الحكم المطعون فيه القصور في التسبيب من ثلاثة مواضع :

وفي بيان أولها يقول:

أنه نعى في صحيفة استئنافه على الحكم الابتدائي الإخلال بحق الدفاع والفساد في الاستدلال ومخالفة الثابت بالأوراق ذلك أنه أثبت بمدوناته أن طرفي النزاع طلبا الفصل في الدعوى على أساس ما ورد بها وما قدم فيها من مستندات.

حال أنه كان قد طلب التأجيل للرد على مذكرة المطعون ضده الأول، كما أنه قَبِل من الأخير مذكرتين في فترة حجز الدعوى للحكم وعول على ما جاء بإحداهما في قضائه رغم عدم إعلانه بها.

وفي بيان الشق الثاني يقول :

أنه نعى على الحكم الابتدائي إخلاله بحق الدفاع إذ رفض طلبه استجواب المطعون ضده الأول عن كيفية وصول صورة مذكرة الطاعن في الدعوى 1609 سنة 1971 مدني كلي المنصورة إليه.

وفي بيان الشق الثالث يقول:

أنه نعى على الحكم الابتدائي القصور إذ أورد بمدوناته أن هذه المذكرة حق للخصم الذي تسلَّمها وهو ما لا يصلح ردًا على ما أبداه الطاعن من أن وجود هذه المذكرة في حوزة المطعون ضده الأول يقطع بقيام صلة بينه وبين خصومه.

وإذ أغفل الحكم المطعون فيه الرد على هذا الدفاع الجوهري يكون معيبًا بالقصور.

وحيث إن الطاعن ينعي بالوجهين الأول والثاني من السبب الثاني على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون والخطأ في تطبيقه وفي بيان ذلك يقول:

أن مفاد نص المادة 499 من قانون المرافعات اختصاص محكمة المخاصمة وحدها بنظر طلب التعويض المتعلق بدعوى المخاصمة.

وأن مفاد نص المادة 270 من قانون المرافعات اختصاص محكمة النقض وحدها بنظر طلب التعويض عن الطعن الكيدي.

وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وقضى برفض الدفع المبدى منه بعدم اختصاص المحكمة نوعيًّا بنظر طلب التعويض عن دعوى المخاصمة ،والطعن بالنقض في الحكم الصادر فيها وبرفض الدفع بعدم قبول الدعوى لرفعها قبل الأوان يكون قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه.

وحيث إن الطاعن ينعي بالوجه الثالث من السبب الثاني على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون وفي بيان ذلك يقول:

أن مفاد نص المادة 165 من قانون المرافعات أن للقاضي المطلوب رده الخيار بين أن يرفع دعوى التعويض على طالب الرد فيفقد بذلك صلاحيته لنظر الدعوى أو أن يترك إجراءات الرد تسير في طريقها المرسوم فيفقد بذلك حقه في رفع دعوى التعويض.

ولما كان المطعون ضده الأول قد ترك إجراءات الرد تسير في طريقها المرسوم فإن دعواه بعد ذلك بطلب التعويض تكون غير مقبولة.

وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وقضى برفض الدفع بعدم قبول الدعوى على سند من أن المشرع لم يفوض المحكمة التي تنظر طلب الرد الحكم فيها بتعويض يكون قد خالف القانون.

وحيث إن الطاعن ينعي بالوجه الرابع من السبب الثاني على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون وفي بيان ذلك يقول :

إن مفاد نص المادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية أن الدعوى الجنائية عن جريمتي السب والقذف تسقط بعدم تقديم المجني عليه شكوى خلال ثلاثة أشهر من يوم علمه بالجريمة ومرتكبها.

وأن مفاد نص المادة 172 من القانون المدني أن دعوى التعويض عن العمل غير المشروع تسقط بانقضاء ثلاث سنوات من يوم علم المضرور بحدوث الضرر وبالشخص المسئول عنه أو بانقضاء خمس عشرة سنة من يوم وقوع العمل غير المشروع على أنه إذا كانت الدعوى ناشئة عن جريمة، وكانت الدعوى الجنائية لم تسقط بعد انقضاء هذه المواعيد فإن دعوى التعويض لا تسقط إلا بسقوط الدعوى الجنائية.

ومؤدى هاتين المادتين أن عدم تقديم الشكوى خلال الموعد المقرر عن جريمتي السب والقذف ليس مؤداه سقوط الدعويين الجنائية والمدنية أمام المحاكم الجنائية فحسب، بل أيضًا سقوط دعوى التعويض عن هاتين الجريمتين أمام المحاكم المدنية ذلك أن التقادم يقضي على الحق ذاته ويستتبع تقادم الدعوى.

 

وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر بتقريره أن التقادم الوارد بالمادة الثالثة من قانون الإجراءات الجنائية قاصر على الدعوى الجنائية دون الدعوى المدنية يكون قد خالف القانون.

وحيث إن الطاعن ينعي بالوجه الخامس من السبب الثاني على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون، وفي بيان ذلك يقول:

إن إساءة استعمال حق التقاضي وإن جاز أن تترتب عليها المسئولية التي توجب التعويض إلا أنها ليست خطأ تقصيريًّا مما يدخل في نطاق المادة 163 من القانون المدني.

وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وقضى بالتعويض على أساس المسئولية التقصيريَّة يكون قد خالف القانون.

وحيث إن الطاعن ينعي بالوجه الثامن من السبب الثاني على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون، وفي بيان ذلك يقول:

أن الحكم المطعون فيه خلص إلى أن نسبة الغش والتدليس والخطأ المهني الجسيم إلى المطعون ضده الأول تقتضيها ضرورات الدفاع في دعوى المخاصمة.

وإذ كانت باقي الأوصاف التي نسبها إلى المطعون ضده الأول هي صفات لصيقة بمن يثبت الغش والتدليس والخطأ الجسيم في حقه، فإن نسبتها إليه – تبعًا لذلك – لا تكون تجاوزًا لحق الدفاع وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر يكون قد خالف القانون.

وحيث إن الطاعن ينعي بالوجه التاسع من السبب الثاني على الحكم المطعون فيه مخالفة القانون وفي بيان ذلك يقول:

أنه تمسك لدى محكمة الاستئناف بمخالفة محكمة أول درجة للقانون إذ فصلت في دعوى التزوير والموضوع بحكم واحد ذلك أنه وإن كان قد تنازل عن الطعن بالتزوير لدى محكمة أول درجة.

إلا أن الخصومة في دعوى التزوير قد رفعت إلى القضاء ويتعيَّن صدور حكم فيها بما كان يوجب على محكمة أول درجة أن تقصر قضاءها على إثبات هذا التنازل دون الفصل في موضوع الدعوى.

وإذ التفت الحكم المطعون فيه عن ذلك على سند من أن إجراءات الطعن بالتزوير تعتبر كأن لم تكن بالتنازل عنه يكون قد خالف القانون.

وحيث إن الطاعن ينعي في الوجه الأخير من السبب الثاني على الحكم المطعون فيه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال وفي بيان ذلك يقول:

أن ما أورده المطعون ضده الأول بصحيفة دعواه من قوله بأنه تأثر غاية التأثر من شكاوى الطاعن ومما جاء بكل من تقرير المخاصمة وطلب الرد وبلغ من تأثره أن أصابته الأمراض والأسقام يعد إقرارًا قضائيًّا كاشفًا عن عدم صدقه فيما أورده ردًا على كل من دعوى المخاصمة وطلب الرد من أنه لا يحمل شعورًا خاصًا للطاعن أو لخصومه وعن مسلكه الخاطئ باستمراره في نظر الدعاوى رغم هذا التأثر.بما يكفي دليلًا في دعوى الطاعن الفرعية يُغني عن تقديم دليل آخر فيها، وإذ لم يعرض الحكم المطعون فيه إلى هذا الدليل وقضى برفض دعواه الفرعية على سند من انعدام الدليل على عدم صدق الرد على دعوى المخاصمة وطلب الرد .

وأن مجرد تقديم شكوى لا يحول بين القاضي والفصل في الدعوى ما دام لم يستشعر الحرج، يكون فضلًا عن قصوره مشوبًا بالفساد في الاستدلال.

الطعن رقم 461 لسنة 48 بتاريخ 3/24/1983



التعليقات

مقالات مشابهة

19-11-2025
أساس القانونية للمحاماة
أساس القانونية للمحاماة والاستشارات | خبرة رائدة في مجال المحاماة في مصر والخليج

براعة في مواجهة التعقيد: فريق النقض والاستئناف في أساس القانونية حصانة قانونيَّة في مواجهة أعْتىٰ قضايا الجنايات

في الساحات القضائيَّة حيث تُحْتَكَرُ المعرفة بالتشريعات وتُحْبَكُ استراتيجيات الدفاع، وفي عالم القضاء، حيث تُمثِّل قضايا الجنايات مُعتركًا حاسمًا يتعلَّق بالحريَّة والكرامة والمستقبل، تُبرز الحاجة إلى من يستطيع قراءة بين سطور النصوص، وتحليل خيوط الأدلَّة، وبِناء صرح الدفاع على أُسس راسخة من العلم القانوني والخبرة القضائيَّة.

تفاصيل المقال
16-11-2025
أساس القانونية للمحاماة
أساس القانونية للمحاماة والاستشارات | خبرة رائدة في مجال المحاماة في مصر والخليج

مسكن الحضانة لا يُستقطع من ملك الغير | حكم محكمة النقض يوضح ضوابط التمكين | مكتب أساس القانونية للمحاماة

شرح قانوني وتحليل لحكم محكمة النقض المصرية في الطعن رقم 684 لسنة 74 قضائية بشأن مسكن الحضانة وحقوق الملكية، يقدمه مكتب أساس القانونية للمحاماة والاستشارات القانونية بمدينة نصر.

تفاصيل المقال
11-11-2025
أساس القانونية للمحاماة
أساس القانونية للمحاماة والاستشارات | خبرة رائدة في مجال المحاماة في مصر والخليج

السجن المؤبد في مصر | المدة الحقيقية والعقوبة مدى الحياة | مكتب أساس القانونية للمحاماة

تعرف على الحقيقة القانونية لعقوبة السجن المؤبد في مصر، وما الفرق بينها وبين السجن المشدد، ومتى يمكن الإفراج الشرطي وفقًا لقانون العقوبات المصري — يشرحها مكتب أساس القانونية للمحاماة والاستشارات القانونية.

تفاصيل المقال
11-11-2025
أساس القانونية للمحاماة
أساس القانونية للمحاماة والاستشارات | خبرة رائدة في مجال المحاماة في مصر والخليج

الغبن في القانون المدني المصري | متى يكون العقد غير عادل؟ | أساس القانونية للمحاماة

تعرف على مفهوم الغبن في القانون المدني المصري ومتى يكون العقد غير عادل. شرح قانوني مبسط يقدمه مكتب أساس القانونية للمحاماة والاستشارات – خبراء القوانين المصرية والعقود المدنية.

تفاصيل المقال

اترك تعليقك